ابن كثير

128

البداية والنهاية

قال : فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان ، بين مكة والمدينة ، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم ، فلم يقبلها وقال : إنما قلت ما قلت لله عز وجل ونصرة للحق ، وقياما بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذريته ، ولست أعتاض من ذلك بشئ . فأرسل إليه علي بن الحسين يقول : قد علم الله صدق نيتك في ذلك ، وأقسمت عليك بالله لتقبلنها فتقبلها منه ثم جعل يهجو هشاما وكان مما قال فيه : تحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس تهوى ( 1 ) منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينين حولاوين ( 2 ) باد عيوبها وقد روينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين : نراع إذا الجنائز قابلتنا * ونلهو حين تمضي ذاهبات كروعة ثلة لمغار سبع * فلما غاب عادت راتعات وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله المقري : حدثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه : - يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك ، وإلى عمارتها ركونك ، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من الإفك ؟ ومن فجعت به من إخوانك ، ونقل إلى الثرى من أقرانك ؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ، محاسنهم فيها بوال دواثر . خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمهم تحت التراب الحفائر كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيرت الأرض ببلائها ، وغيبت في ترابها ، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس ، ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الافلاس : - وأنت على الدنيا مكب منافس * لخطابها فيها حريص مكاثر على خطر تمشي وتصبح لاهيا * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر

--> ( 1 ) في الأغاني : يهوى . قوله : والتي : يعني مكة . ( 2 ) في الأغاني : وعينا له حولاء .